اركون توفيق

أحسن كما أحسن الله إليك

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أحسن كما أحسن الله إليك

مُساهمة  اركون توفيق في الأحد سبتمبر 30, 2012 11:31 pm

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ الحمد الله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد:

أخي الكريم: تأمَّل في إنعام الله عليك وإحسانه بك، وآلائه وفضله عليك؛ فقد أوجدك من العدم وأحياك، وخلقك وأحسن منظرك، ونفخ فيك من رُوحه فشرَّفك، وأطعمك فأشبعك، وآواك فأسكنك، وسقاك فرواك، وكان فضله عليك كبيرًا، }وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ{.

وهذا الإحسان الذي غمرك الله به، وزاد عليه أعظم إحسان وأجزل نعمة بأن هداك إلى دينه وأخرجك من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان؛ جدير بك أن تجتهد في شكره، فإنما جزاء النعمة شكرها.

ومن معاني شكرها أن تُحسِن إلى غيرك كما أحسن الله إليك، فإنه سبحانه مُحسِنٌ يُحِبُّ المحسنين، ويجزي على الإحسان إحسانًا.. قال تعالى: }هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ{.

وقال سبحانه: }وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ{.

وقال سبحانه: }لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ{.


أحسن عملك

مقام الإحسان هو أعلى مقامات الدين وأرفع مراتبه، وهو أن تعبد الله جلَّ وعلا كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.. فمن بلغ به إيمانه إلى هذه المرتبة فقد بلغ مرتبة عظيمة هي مفتاح الخير أجمع.

أخي الكريم:

وإذا تأمَّلت في نفسك وحياتك وجدتَ أنَّ غاية الله من خلقهما هو ابتلاؤك بالعمل؛ فهو خلقك ليرى منك هل ستُحسِن عملك فيُحسِن إليك أم ستُسِيئه فينالك العقاب!

قال تعالى: }تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ{.

والعمل الحسن هو العمل الصالح وهو، ما كان خالصًا وصوابًا.

فأمَّا إخلاصه فهو أن يكون لله فيُراد به وجهه وثوابه من غير سمعة ولا رياء.

وأمَّا صوابه فهو أن يكون على سُنة النبي صلى الله عليه وسلم r وطريقته.

ومتى أحسن المؤمن عمله لله، وتعبد له واتَّقاه بما شرعه وقضاه وسنَّهُ لنبيه r وارتضاه، أحسن الله إليه في الدنيا، وكفاه سائر همومه وأموره كما قال تعالى: }أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ{.

فبحسب إحسان المسلم لعبادة الله واتقائه له وانصياعه لأوامره سبحانه يكون إحسان الله به وكفايته وعونه له.

فمن ارتقى به عمله الحسن وتوحيده إلى مرتبة الإسلام أحسن الله إليه بحسب ذلك، ومن ارتقى به عمله الحسن واجتهاده في خشية الله إلى مرتبة الإيمان أحسن الله إليه بحسب ذلك، ومن ارتقى به عمله الحسن وعبدَ اللهَ كأنه يراه واستحى منه حقَّ الحياء فذاك أفضل المراتب وهي مرتبة الإحسان، وذاك الذي لا يخطئه الخير أبدًا.

فأحسن عملك يُحسن الله إليك ويصلح أحوالك، ويسعدك في الدنيا والآخرة، قال سبحانه: }مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{.

أحسن إلى والديك

فقد أوصاك الله بذلك، وجعلها وصيةً مقرونةً بأعظم الوصايا وأوثقها، وهي عبادته سبحانه.

قال الله تعالى: }وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا{.

وقال سبحانه: }وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ{.

أخي: أحسن إلى والديك، كما أحسنا إليك، فقد ولداك فربياك، وآوياك فأسكناك، وأسقياك فأروياك، وأطعماك فأشبعاك، وحمياك فحفظاك، وعلَّماك فوعياك. ولم يزل برُّهما وفضلهما عليك منذ وُلدت وإلى أن تموت، ومهما أحسنتَ إليهما وصاحبتهما بالمعروف والإحسان والبر. فلن تردَّ حقهما ولن تبلغ شكرهما، فعن أبي هريرة t قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم r: «لا يُجزي ولد والده إلاَّ أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه» رواه مسلم.

فجاهد فيهما بالإحسان وألوان البر، فإنَّ الإحسان إليهما جهاد ثابت أجره، عظيم ثوابه؛ فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم r يستأذنه في الجهاد، فقال له الرسول r: أحيٌّ والدك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد.

وعن عبد الله بن مسعود t قال:

سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم r: أيُّ العمل أحبِّ إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها». قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين». قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» رواه البخاري ومسلم.

ومن صور الإحسان إليهما أن تُحسن معاشرتهما؛ فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقول لهما قولاً كريمًا، واحرص على برِّهما بالكلمة الطيبة والرحمة والحبِّ والحنان والتقدير والاحترام، واجعل شأنهما في نفسك كبيرًا؛ فإنك بإذن الله مأجورٌ أجرًا عظيمًا على ذلك، وكذلك بالإنفاق عليهما ولو كانا غنيَّين، وبذل الخير لهما، والدعاء لهما بالخير والرحمن والهدى والسداد }وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا{.

وتذكَّر أنك مغمورٌ بأفضالهما، ومهما قدَّمت لهما من برٍّ فلن تُحسن إليهما كما أحسنا إليك ولو بلغ برُّك بهما أقصاه.

وقد رأى ابن عمر رضي الله عنهما رجلاً قد حَمَل أمَّه على رقبته وهو يطوف بها حول الكعبة. فقال: يا ابن عمر، أتراني جازيتها؟ قال: ولا طلقة واحدة من طلقاتها، ولكن أحسنت، والله يُثيبك على القليل كثيرًا.

أحسِن إلى أرحامك

فهم الأولى بالإحسان من الأباعد، وقد وصَّى الله جلَّ وعلا بالإحسان بالأرحام وجعله مُقدَّمًا على الإحسان إلى غيرهم، قال تعالى: }وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ{ الآية.

والإحسان إلى ذوي الأرحام له صور:

1- صِلتهم بما يُرضي الله جلَّ وعلا،وبما جرى عليه العُرف، فإنَّ صلة الرحم مُوجِبة لصلة الله وإحسانه، قال r: «الرحم شُجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله»؟

انظر: السلسلة الصحيحة برقم: 935.

ومن الإحسان الذي تُثمره صلة الرحم: الزيادة في العمر، وكثرة المال والولد،

فعن عمر بن سهل t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم r: «صلة القرابة مثراة في المال، محبة في الأهل، منسأة في الأجل» رواه الطبراني.

وصلة الرحم إحسان، ولذلك فهي لا تستلزم المكافأة، وإنَّما يؤدِّي حقَّها المؤمن الصادق وينتظر من الله ثوابها وأجرها، فيصل وإن قاطعه أهله، وقد قال r: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» رواه البخاري.

وجاء رجل يشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهله؛ إذ يحسن إليه، ويسيئون إليه، ويصلهم ويقاطعونه، فبشَّره الرسول r، وقال: «لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» رواه مسلم.

2- النفقة عليهم: فهي من أعظم الإحسان، وأجود صور الصلة، وهي من أعجل الثواب، وأوسع أبواب الرزق وزيادة البركة، وجاء في الحديث: «إنَّ الصدقة على المسكين صدقة، وإنها على ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة» رواه ابن حبان.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم r: «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» رواه أحمد.

والكاشح: هو المنازع المخاصم الكاره.

فأحسن إلى أهلك وأقربائك بالصلة وحُسن الخلق؛ يحسن الله إليك بسعة الرزق العاجل، ونعيم الجنة الآجل، ويُعمِّر دارك بالخير، ويُزد في عمرك.

قال rصلى الله عليه وسلم: «صلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار، يعمران الديار، ويزدن في الأعمار» رواه أحمد.

avatar
اركون توفيق
Admin

عدد المساهمات : 311
تاريخ التسجيل : 02/11/2010

http://arkountoufik.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى